الفلامنكو، جذور عربية وحنجرة إسبانية

0

الفلامنكو … فن مزيج من الإيقاعات المركبة والمعقدة فمنهم من يقول إنها الموسيقى الإسبانية ومنهم من يقول إنها مزيج ثقافات متعددة.

تتمتع هذه الموسيقى بحيوية وإيقاع مميز تعكس معها تأثير ثقافات الشعوب التي تعايشت في المنطقة ومن بينها المورسكية ذات الأصول العربية الإسلامية إضافة إلى الثقافة الأندلسية فيما يقول العرب عند سماعهم لها إن لهم فضلاً في إضفاء روح شرقية عليها.

أما عن أصول هذا الفن فيأتي من الغجر الذين حملوه معهم عبر ترحالهم من الهند مروراً بأرمينيا وتركيا ورومانيا ليمتزج بثقافة البلدان التي احتضنتهم وصولاً إلى الأندلس.

وخلال وجود العرب في إسبانيا ما بين ٧١١ – ١٤٩٢ حاول الغجر الواصلون الاستقرار هناك حيث سمح لهم بالبقاء لكن مع رحيل العرب صدرت قوانين عام ١٤٩٩ بتهجيرهم لعدم الرغبة في وجود غجر رُحل في البلاد فلم يتبقى أمامهم سوى أن يهجروا المدن ويلتجؤوا إلى الكهوف في أعالي الجبال والوديان وانعزالهم بشكل كامل عن السكان الأمر الذي ساهم في عزل فنهم أيضاً.

وهكذا نبع هذا الفن ليكون مزيجاً من الألم والحرمان والفقر ليغدو محصوراً بالغجر فقط حتى نهاية القرن الثامن عشر.

وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر خرج فن الفلامنكو إلى العالم ليصبح متداولاً أمام جميع شرائح المجتمع الإسباني إلى أن أصبح اليوم فناً عالمياً.

وما يجعل هذا الفن يتميز بطابعه الخاص هو هذا الخليط الذي يظهر عليه طابع شرقي عند الغناء من الحنجرة والتشابه الواضح بين مقامات الفلامنكو ومقامات الغناء العربي.

أما عن تسمية هذا الفن ب”الفلامنكو” فقد اختلف الباحثون والمؤرخون في تأصيل الكلمة فهناك من ينسبها إلى طائر الفلامنكو الوردي الراقص المهاجر وآخرون أرجعوها إلى كلمة عربية “فلاح منكم” أو “فلاح منكوب” لتصبح التسمية فيما بعد “فلاح منغو” بمعنى “فلاح من غير أرض” وهذا التفسير وجده مؤرخ يدعى بلاس انفانتي قصد فيه حال الفلاحين الموريسكيين الذين اضطُهدوا وأصبحوا بدون أرض فاندمجوا مع الغجر وأسسوا موسيقى الفلامنكو التي تعكس مظهراً من مظاهر الألم والأسى.

فن الفلامنكو يعكس بموسيقاه وسحره تقاليد وأعراف التنظيم الاجتماعي الغجري الذي يحتل فيه الذكور المكانة البارزة بينما تحتجب المرأة وراء أدوارها التقليدية. ولكن في حفل الرقص أو العرض تبدو الطقوس مخالفة إذ بمجرد أن تبدأ الموسيقى تلتحق الراقصة لتهيمن مع الراقص على الخشبة ما يحث المغني على التفنن في تلاوة قصائد الغزل التي تتغنى بجمال وأنوثة الراقصة.

وتلبس الراقصة لباسا زاهيا ملونا عريضا فضفاضا على غرار لباس الغجر بينما يلبس الراقص قميصا ضيقا ملونا أو أبيضا وسروالا أسودا ضيقا أيضا وينتعل الذكور والإناث أحذية قوية تساعد على الايقاع خلال ضرب الأرض بها. وكان سلفهم يلبسون أحذية ذات كعوب عالية لإحداث الصوت القوي المسموع ويضعون على رؤوسهم قبعات تقليدية لم يعد يستسيغها الراقصون ولا المغنون اليوم.

ورقص الفلامنكو يختلف عن الرقص الهادئ المتمايل كالرقص الشرقي أو الكلاسيكي حيث يعتمد راقص الفلامنكو في حركاته على قوته الجسدية بالإضافة إلى حركات ذراعيه وقدمه بعنف مما يترجم الثورة على القيود.

ويختلف أداء الراقصة عن أداء الراقص ببعض الحركات العنيفة عند الرقص التي تعبر بقوة عن هذا العنف مما يجعل الراقص الماهر يثير الإعجاب لتبقى مكانة المرأة أيضا لا تقل عنه من خلال كبريائها والأنفة من خلال حركة الذراعين والقدمين التي تترجم أحاسيسها الداخلية بحركات سريعة وقوية كالتصفيق والضرب بالقدمين والإغناء السريع للجسد وشموخ الهامة في كل الايقاعات..

برز مؤلفون موسيقيون في أسبانيا خلال القرن التاسع عشر مثل العازف انطونيو سولير وتلاه في القرن العشرين كل من العازفان انريكيه غرانادوس وباكو دي لوثيا.

ينبذ بعض الإسبان تعريف إسبانيا على أنها مصارعة الثيران والفلامنكو حتى أن بعضهم يعتبرها موسيقى غجرية شعبية جداً ولا تمت لإسبانيا بصلة، لكن جمالية موسيقى الفلامنكو الممزوجة بغجريتها الوحشية لا تزال تبهر عشاق الموسيقى في العالم وتدغدغ الإحساس بعمق أنغامها وحريتها من الرضوخ للتقاليد المعتادة.

شارك

شارك بتعليق