ماذا عليك أن تقرأ عن “بلاد الغروب الأبعد”؟

0

لم يمر اسم اسبانيا كعابر في تاريخ البشرية، بل كان جزءا من تكوين العالم، واستمر رنينه المؤثر دون انقطاع ما يزيد عن 500 عام.

وقد تحولت اسبانيا من أمة مبعثرة عرفت أرضها يوما ما ب”أرض الغروب الأخير” أو “حافة الدنيا”، بسبب موقعها في “على حافة العالم القديم” إلى امبراطورية تمتد جسورها البحرية بين خمس قارات.

 وحتى أصبحت اسبانيا ما عليه اليوم، مع نهايات القرن التاسع عشر، لم يتوقف تاريخ هذه البلاد عن الإثارة، مرورا بحربها الأهلية الشهيرة، في ثلاثينات القرن الماضي، وصولا، لما هي عليه حاليا، من سلام وازدهار.

 وتولع كتاب وفنانون، كثر بتاريخ هذا البلد، بجغرافيته وناسه، ولذا ليس عجيبا أن ترى أن مؤلفات كثيرة صدرت عن اسبانيا، تحاول ترجمة هذا الشغف، ونقله للآخرين.

 ولحسن الحظ أن قسما كبيرا منها موجود باللغة الانكليزية، في حال كنت لا تزال تشق طريقك في تعلم لغة البلاد. كما أن بعضها ترجم للعربية، وإن كان في وقت متأخر عن صدورها.

بين أولها رواية كلاسيكية شهيرة باسم “ظل الريح”(The Shadow of the Wind)، ترجمت للعربية في عام 2016، رغم أنها تعود للعام 2001، وهي رواية للكاتب الاسباني كارلوس رويز زافون، وتمثل رحلة شغف مثيرة لشاب في بحثه عن مصير كاتب غامض، يقوم شخص مجهول بملاحقة مؤلفاته القليلة وحرقها، وتنقضي أحداثها في مدينة برشلونة في أجواء بوليسية شيقة، وتقدم الرواية في صفحاتها الستمائة، منظورا رومانسيا لمن يرغب في التعرف على أجواء هذه المدينة في أربعينات القرن الماضي، زمن الرواية المتخيل.

 ومحبي برشلونة يستطيعون أن يمتحنوا نظرة كاتب غريب لهذه المدينة، وهو الكاتب الانكليزي الشهير جورج اورويل في كتابه المعروف تحية إلى كتالونيا (Homage to Catalonia 1938)، ويحكي فيه تجربة مشاركته في الحرب الأهلية الاسبانية، إلى جانب الوطنيين اليساريين، ورحلته من السذاجة الاشتراكية، نحو فهم الواقع القاسي الذي تفرضه الحرب على الإيدولجيات، والأفكار، بالشكل الذي ترسمه عادة الحروب متعددة المستويات والمصالح.

ويقدم كاتب غربي آخر كتابا مشابها، وهو الكاتب الأمريكي الأشهر إرنست همنغواي برائعته “لمن تقرع الأجراس For Whom the Bell Tolls 1940)، عبر شخصية شاب أمريكي متحمس  ينضم لمجموعات من المتطوعين الشيوعيين المناهضين للفاشية، في خضم الحرب الأهلية الاسبانية، ساردا تجربته خلال الحرب، في ظل هاجس واحد رئيسي هو الموت المخيم على كل مكان.

وتحولت تلك الرواية لاحقا لفيلم جميل (1943) تصدى لبطولته كل من انغريد بيرغمان وغاري كوبر ونالت عنه بيرغمان أوسكار أفضل ممثلة في السنة التالية.

 ولمحبي الأدب، يمكن الحصول على قصة من ذات التاريخ تقريبا، لكن هذه المرة من العاصمة مدريد بكتاب” شتاء في مدريد” (Winter in Madrid) صدر عام 2006 ، ويروي قصة تجسس تقوم بها السفارة البريطانية في مدريد بعد بعد انقضاء الحرب الأهلية بأعوام قليلة، وتلقي الضوء على البيئة التي نشأت بعد الحرب، وانتصار قوات الجنرال فرانسيسكو فرانكو فيها. وهي للكاتب سي جي سانسون.

وبالطبع بما أننا تحدثنا عن برشلونة ومدريد، سيكون صعبا تجاهل قطبي المدينتين الرياضيين.

 الناديان العريقان أي سي برشلونة وريال مدريد، وبين القطبين ما هو أكثر من الرياضة بكثير.

 الأمر الذي يجعل ذكر كتاب Fear and Loathing in La Liga” للكاتب سيد لو (2012) مثالا جيدا لكل راغب في وضع عوامل التاريخ والسياسة والرياضة بين دفتي كتاب واحد، وفي تجسيد الناديين بنجميهما الارجنتيني ليو ميسي “ والبرتغالي كريستيانو رونالدو “ باعتبارهما قطبي صراع داخلي، يجسد نفسه رياضيا أيضا،  مع الإشارة إلى أن التركيز على الجانب الرياضي يحتل القسم الأساسي من الكتاب.

ومن ضمن الأمثلة التي يمكن ذكرها أيضا كتاب أشباح اسبانيا(Ghosts of Spain)، وهو للقارئين الراغبين في اكتشاف عمق ثقافة هذا البلد، وتنوعها ، كما أسرارها وأطياف التاريخ التي يبحث عنها الكاتب جيليس تريمليت وهو الصحافي السابق في الغارديان والمؤرخ المختص بالشؤون الاسبانية منذ بداية تسعينات القرن الماضي.

 الكتاب هام، ومفيد للغاية في سلوكه مناطق مظلمة وخجولة من تاريخ اسبانيا، القديم والمعاصر. كتاب جدير بالقراءة لكل راغب في معرفة اسبانيا حق معرفة.

ويأتي في سياق مشابه كتاب يروي تجربة مشابهة للصحافية والمؤرخة جان موريس، والتي أعيد نشر كتابها في العام 2008 (Spain) بعنوان اسبانيا، علما آنه كان نشر للمرة الأولى في العام 1967، وتدون فيه الكاتبة ملاحظاتها اللماحة في مواضيع الدين، والتاريخ، والمجتمع، والثقافة الاسبانية، بعد رحلة استكشافية للبلاد، بشكل يضع كتابها في مقام الكتب الأكثر توسعا في فهم الشخصية الاسبانية المعاصرة.

وكي لا نتهم بالجهل، وإنكار المعروف، فإن ثمة كاتبين لا يجوز لمهتم باسبانيا أن يمر بهما دون إلقاء السلام، وأولهما حامل راية الثقافة واللغة الاسبانية في كل العالم ميغيل ثيربانتس ولا سيما كتابه الشهير الدونكيشوت (Don Quixote) الذي صدر في 1605وترجم عبر السنوات ل145لغة وهو أعلى رقم لكتاب مترجم بعد الكتاب المقدس ، والذي أصبحت عبارته “محاربة  طواحين الهواء” نموذجا لدى مثقفي ومتثاقفي العالم في التعبير عن صراع اللاجدوى، والمعارك الخاسرة.

وبالطبع يأت دون قيمة أقل الكاتب المسرحي والشاعر المرهف  فريدريكو غارثيا لوركا، والشهير باسمه الأخير،  والذي ربما لم يتجاوز أي منا العشرين دون أن يقرأ له شعرا مترجما، سواءا عرف أن هذا يعود له أم لا، علما أن الرجل الذي انتشرت كلماته في العالم، مات وهو في أوائل الثلاثينات، برصاص كتيبة الإعدام للقوميين الفاشيين، والذين أخفوا جثته فلم يتم العثور عليها أبدا، وكأنما نفذوا ما كان قد تنبأ به في شعره، حين كتب…

«وعرفت أنني قتلت

وبحثوا عن جثتي في المقاهي والمدافن والكنائس

فتحوا البراميل والخزائن

سرقوا ثلاث جثثٍ

ونزعوا أسنانها الذهبية

ولكنهم لم يجدوني قط»

شارك

شارك بتعليق